ابو القاسم عبد الكريم القشيري
225
لطائف الإشارات
وأنوار الجمع تنفى آثار التفرقة . وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ ، وأنوار طلوع الشمس من حيث العرفان تنفى صدفة الليل من حيث حسبان أثر الأغيار . ثم الجواهر التي تتخذ منها الأواني مختلفة فمن إناء يتخذ من الذهب وآخر من الرصاص ، إلى غيره - كذلك القلوب تختلف ، وفي الخبر : إن للّه تعالى أواني وهي القلوب » ؛ فزاهد قاصد ومحب واجد ، وعابد خائف وموحّد عارف ، ومتعبّد متعفّف ومتهجّد متصوف ، وأنشدوا : ألوانها شتّي الفنون وإنما * تسقى بماء واحد من منهل قوله جل ذكره : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 18 ] لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) « الْحُسْنى » « 1 » : الوعد بقبول استجابتهم ، وذلك من أجلّ الأشياء عندهم ؛ فلا شئ أعزّ على المحبّ من قبول محبوبه منه شيئا . أما الذين لم يستجيبوا له فلو أنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عمدا لا يقبل منهم ، ولهم سوء الحساب ، وهو المناقشة في الحساب ، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب . قوله جل ذكره : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 19 ] أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) « 2 » استفهام في معنى النفي ، أي لا يستوى البصير والضرير ، ولا المقبول بالمردود بالحجبة ، ولا المؤمّل بالتقريب بالمعرّض للتعذيب ، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا بالذي هديناه
--> ( 1 ) يرى النسفي أن ( الحسنى ) هنا صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى . ( 2 ) أخطأ الناسخ إذ جعلها ( أفلم ) .